مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
253
تفسير مقتنيات الدرر
الحجّة الثالثة أنّ البصر يرى ما حصل فوق سبع سماوات وهو فلك الكرسيّ ونجومها والسمع لا يدرك ما بعد منه على فرسخ فكان البصر أقوى لرؤيته شواهد الربوبيّة . قال ابن الأنباريّ : كيف يكون السمع أفضل من البصر وبالبصر يحصل جمال الوجه وبذهابه عيبه وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيبا ظاهرا مكشوفا والعرب تسمّي العينين : الكريمتين ولا تصف السمع بمثل هذا ومنه الحديث يقول اللَّه : من أذهبت كريمتاه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنّة . انتهى . فقوله تعالى : * ( [ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ] ) * معناه أنّ هؤلاء الكفّار الَّذين يستمعون ويطلبون السمع للردّ عليك لا للفهم فلذلك لزمهم الذمّ وعلى هذا الوجه من الاستماع هم صمّ لم يستمعوه حيث لم ينتفعوا به ، فأنت لا تقدر على أسماع الصمّ فهذا الكلام في حدّ التربية والإرشاد لنبيّه صلى اللَّه عليه وآله لإنكار استماعهم وأوقع الكلام في معرض الاستحالة . وأكّده بقوله : * ( [ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ] ) * أي ولو انضمّ إلى صممهم عدم العقل والإدراك فبالحريّ أن لا يسمعوا ، لأنّ الأصمّ العاقل ربّما يتفرّس إذا وصل إلى صماخه هوت وأمّا إذا اجتمع فقدان السمع والعقل جميعا فقد تمّ الأمر وكذلك الأعمى كيف تهديهم أنت وتبيّن لهم الطريق للهداية وليس لهم أعين ؟ فكيف ينظرون خصوصا إذا انضمّ إلى العمى عدم البصيرة ؟ فإذا اجتمع عدم البصر وعدم البصيرة فحينئذ تمّ الأمر لأنّه اجتمع فيه الحمق والعمى . وجواب « لو » محذوف في الجملتين لدلالة الكلام وهو قوله تعالى : « تُسْمِعُ الصُّمَّ ) * و * ( تَهْدِي الْعُمْيَ » عليه أي أفأنت تسمع الصمّ لو كانوا يعقلون ، ولو كانوا لا يعقلون لا تسمع أفأنت تهدي العمي لو كانوا يبصرون ولو كانوا لا يبصرون ؟ أي على كلّ حال مفروض . قوله : * ( [ إِنَّ اللَّه َ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ] ) * المعتزلة والعدليّة احتجّوا بهذه الآية على صحّة مذهبهم وردّ مذهب القدريّة أي الجبريّة ووجه الاستدلال به أنّه يدلّ علي أنّه تعالى ما ألجأ أحدا بالكفر ولا بهذه القبائح والمنكرات لكنّهم باختيار أنفسهم يقدمون عليها ويباشرونها لأنّ الآية صريحة الدلالة على هذا المعنى . قوله : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 45 إلى 46 ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّه ِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 45 ) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّه ُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ( 46 )